الملكية الفكرية في الحركة الكشفية بين ضياع الحقوق وسرقات المدونين. بقلم هشام موسى

الملكية الفكرية في الحركة الكشفية بين ضياع الحقوق وسرقات المدونين. بقلم هشام موسى

الملكية الفكرية في الحركة الكشفية
بين ضياع الحقوق وسرقات المدونين

بقلم/ هشام عبد السلام موسى

النتاج الفكري للعقل البشري في رأيي هو حق للجميع، ما دام قد خرج إلى النور واطلع عليه الناس، لهم أن يقتبسوا منه، ولهم أن ينقلوه، ولهم أن ينتقدوه، ولهم أن يحللوه، ولكن تبقى بصمة مبدعه عليه في كل الأحوال يجب أن لا تزال أو تتغير، أو تنسب لأحد غيره.

وحالة الإبداع الفكري كما كان يقول أساتذتنا في النقد الأدبي الأستاذ الدكتور شكري عياد، على سبيل المثال: لا يبدع المبدع حين يبدع وهو واع، فالإبداع غالبا ما يكون في منطقة اللاوعي، وبمجرد خروجه للناس أصبح ملكا لهم، وأذكر حادثة وقعت في مجلس الثلاثاء الذي كان يعقده الأديب الكبير طه حسين في منزله (رامتان) ويحضره عدد كبير من الأدباء والنقاد والصحفيين، أن اختلفوا حول نص له، فبعضهم قال: إنه كان يقصد كذا، وبعضهم قال: إنه يقصد كذا، واختلفوا فيما بينهم، فقالوا: لم نختلف فالنسأل العميد ماذا يقصد؟، فقال رادا عليهم: أنا اقصدكم جميعا.

قصدت من هذه المقدمة السريعة أن أقول أن الإبداع هو حق وملك للجميع، وليس حكرا على صاحبه، ولكن يبقى لصاحبه الحق في أن تنسب له إبداعاته، وكلماته، وأفكاره، وآراؤه.. وأن لا يعتدي عليها أحد بنسبتها لنفسه أو لغيره، وهذا ما تقتضيه الحقوق، وهذا ما سنت من أجله قوانين الملكية الفكرية، لضمان حقوق المبدعين في كافة المجالات.

أذكر ذات يوم منذ سنوات، وكنت وقتها أعمل خبيرا للشؤون الكشفية في الكشافة والمرشدات العمانية، أن أتاني أحد قادة الكشافة وقد قام بإنتاج مجلة كشفية مطبوعة بشكل مميز لفرقته، ليأخذ رأيي فيها، فلما تصفحتها وجدت فيها مقالا بعنوان علاقة الكشافة بالدين، فأثارني العنوان لأنه عنوان فرعي لفقرة من إحدى مقالاتي السابقة المنشورة، فقلت في بالي: لعله توارد خواطر، فقرأت الموضوع وقد وضع القائد اسمه عليه، بقلم/ ......، فوجدت أن كلام المقال هو كلامي، فسألت القائد: هل أنت كاتب هذا المقال بنفسك؟، فقال وقد أخفض رأسه للأرض: في الحقيقة، لقد وجدت المقال على شبكة الانترنت في أحد المواقع، وأعجبني فنقلته، فلم أعقب، أو أعاتب، وقلت له: وما اسم هذا الموقع؟، فأخبرني، فدخلت على شبكة الانترنت، وبحثت فوجدت المقال منشور بالفعل وقد وضع عليه اسم الشخص صاحب الموقع، بقلم/.........، فكتبت له أعاتبه، فقام بمسح اسمه وكتب عليه منقول من فلان......، والشاهد في هذه القصة أن قائد من بلد ما سرق موضوع لي ونسبه لنفسه، ثم قام قائد آخر من بلد ثان، فسرق منه الموضوع ونسبه لنفسه، وكأن لص يسرق من لص.

واذكر أنه خلال فترة عملي بالمنظمة الكشفية العربية، أن قام قائد من إحدى الدول العربية بأخذ كتب أصدرتها المنظمة في طبعات تجريبية، وقام بنزع غلافها الخارجي، وصمم لها غلافا آخر وضع عليه اسمه، وقام بإعادة طباعتها بما فيها من أخطاء، وقام بتوزيعها، دون أي مراعاة لحقوق المنظمة في هذا الجانب، ولمن قام بالعمل على إعداد تلك المادة وتحضيرها.

ولازلت أذكر من جانب آخر أيضا ذات يوم وكنت أنا وزميل لي في أحد المهام الكشفية المكلفين بها في إحدى الدول العربية من قبل الأمانة العامة للمنظمة الكشفية العربية، وفي إحدى الجلسات الخاصة، قام أحد القادة وقال: بارك الله فيه الأستاذ فوزي فرغلي، ماشاء الله عليه، كل هذه الكتب من تأليفه التي تصدرها المنظمة، مما أصابنا بإحباط شديد أنا وزميلي، وكنا نعلم تماما حقيقة ما يحدث، فكثيرا من الكتب والنشرات التي كانت تصدرها الأمانة العامة كان الأستاذ/ فوزي فرغلي يرفض أن توضع عليها أسماؤنا كمدراء إدارات رغم أننا المعدين لها، وكان يصدرها هو بكلمة افتتاحية تحمل اسمه في النهاية، فيعتقد كل من يقرأ الكتاب أو النشرة أنها من تأليفه أو إعداده، وهذا مناف للحقيقة، في حين يكون كاتبها الحقيقي الأستاذ/ صابر حسنين الذي أصدر عشرات من نشرات البرامج، أو المرحوم صلاح الدين أحمد الذي أعد كتب وأدلة التأهيل القيادي، أو ، هشام عبد السلام الذي أعد وكتب عشرات المجلات والكتب والنشرات ، أو رفعت السباعي الذي اعد وكتب عشرات من نشرات تنمية القيادات، أو طارق فايد الذي أعد وكتب عشرات من الكتيبات المتخصصة في البرامج للفتية والقادة، وآخرين، وبعد عودتنا للمنظمة من مهمتنا أنا كواحد من الناس كنت أصر على وضع اسمي على أي مقال أو نشرة أو كتاب أصدره، وكان ذلك يشكل دائما نقطة خلاف بيني وبين المرحوم فوزي فرغلي، وكان يصل الأمر أكثر من مرة أن أقدم استقالتي من العمل بسبب ذلك.

وفي واقعة أخرى، ذات يوم قمت بزيارة متابعة لإحدى الفرق الكشفية في إحدى الدول، فوجدت القائد يعرض علي مجموعة من الملصقات المكبرة لعدد من البوسترات للمهارات الكشفية كان قد سبق لي نشرها في إحدى المجلات الكشفية، فقام هو بتصويرها وتكبيرها على مشمع قوي، مع فارق واحد هو أنه حذف اسمي من على الملصق في موضعه، ووضع بدلا عنه اسمه مكانه!!!!، فقلت له: لم يصعب عليك أن تنقل الموضوع برمته، وقمت بتكبيره وتعليقه على جدار المدرسة، وصعب عليك أن تترك اسم العبد الضعيف الذي قضى أياما وشهورا منكفئا على كمبيوتره ليصنع لك ولغيرك ذلك الملصق لتستفيدوا منه؟؟ ألا تستحي؟؟!!.. وفي واقعة أخرى مشابهة قام أحدهم بأخذ ملصق لي في أحد المهارات الكشفية، وقام بنشره على الفيسبوك، وحذف اسمي ووضع اسمه عليه.

ويحضرني مقولة لإمامنا الشيخ الشعراوي رحمه الله قال فيها: إذا كنت كذوبا فكن ذكورا، بمعنى عليك أن تتذكر الكذب الذي قمت به حتى لا يتعارض مع ما تقوله، وأشتق منها، على السارق عبر الإنترنت أن يكون ملما بكافة ما ينشر، وما يكتب، حتى لا ينكشف أمره، ويكشف ستره وكذبه قبل أن يفكر في اقتناص موضوع من هنا وهناك دون أي مراعاة لحقوق الآخرين وإبداعاتهم النصية والفكرية وغيرها.

إن انتشار وسائط التواصل الاجتماعي وإتاحتها بشكل موسع للقاصي والداني، مع غياب القيم المجتمعية المؤهلة للتعامل مع هذه الوسائط، جعلها خارج السيطرة، هذا في العموم، وأعتقد أن من واجب أعضاء الحركة الكشفية من قادة وكشافين أن يكونوا أكثر أمانة وحصافة وحرصا على حقوق الملكية الفكرية للآخرين، ورغم أن هناك ميثاق شرف إعلامي وقعت عليه الجمعيات الكشفية العربية بمعرفة الأمانة العامة للمنظمة الكشفية العربية، إلا أنه لم يفعل إلا لدى قلة من القادة الملتزمين بذلك، ويدخل من بين بنوده حقوق الملكية الفكرية.

فأي كشفية تلك التي تقوم على مبدأ (اخطف واجري)، وأي قيم تلك التي تبنى على إبراز الذات على حساب فكر الآخرين، ونحن لا نطلب من الجميع أن يكون كاتبا ولا مفكرا ولا مبدعا، ولا نحجب المعرفة عن الآخرين، ولكن كل ما نأمله ونرجوه هو أن يحفظ الآخرين حقوق المبدعين بالنقل الموثوق عنهم والإشارة إلى مرجعيتهم في ذلك.

ومما ألحظه أن البعض في بعض المواقع أو الصفحات ينقل كتابا كاملا من هنا أو هناك دون الإشارة لصاحبه، والأدهى من ذلك يقوم بوضع ختمه عليه، أو علامة مائية تحمل شعاره، في كل صفحاته، وكأن حقوق الملكية الفكرية حصرية له؛ فإن نقلها أحد منه يكون عليها بصمته، وأريد أن أوضح للجميع أن هذا الفعل أيضا يتنافى مع حقوق الملكية الفكرية، فليس من حق شخص أو جهة أن تنقل مثلا كتابا لي وتضع عليه خاتمها وتحوله لصيغة (PDF) مثلا، أو في شكل صورة (JPG)، فإن أردت أن تسهم في نقل المعرفة للآخرين فعليك أن تنشره كما هو مع الإشارة لكاتبه أو مصدره، واذكر مثلا أنه من أرشيفك أو مقتنياتك، دون زيادة أو نقصان، حتى لا يأتي آخر بجهالة فينقل عنك معتقدا أنك مصدر الكتاب، ونقل بعد نقل تضيع هوية الكتاب أو المنشور وكاتبه، ويتفرق دمه بين القبائل، ولم يعد يستدل على كاتبه الأصلي.

وحتى أكون صادقا مع نفسي فإن مالم أقبله من ضياع ملكيتي الفكرية من مكان عملي الذي أتقاضى منه معاشي وكان دونه استقالتي، لن أقبله وأنا أكتب متطوعا يوميا عبر الفيسبوك أو أي وسيلة تواصل اجتماعي أخرى من أجل أن أوصل آرائي وأفكاري، وما لدي من وثائق لنفع القادة والكشافين، وإلا فإنني أشعر بمهانة شديدة في ذلك، فعلى الآخرين أن يحترموا أن ما أقدمه لهم إنما هو نتاج عشرات السنوات من التجارب والبحث والاستقصاء، وصرف الأموال لتلقي المزيد من المعرفة، والخبرة، فلا يأتي أحدهم بكل بساطة ويسرق ما ليس له سواء بحسن أو سوء نية، فكلاهما عندي سواء.

وأود أن أذكر الجميع أن أول بند من بنود قانون الكشافة، أن الكشاف صادق وشرفه موثوق به...، فشكرا لكل من شير ونشر مدوناتي وموضوعاتي وأفكاري كما هي دون أي تعديل عليها، مادامت أعجبته، ووجد فيها فائدة للآخرين.